السبت، 15 نوفمبر 2014

كن صانع مطر


عندما اصل لمرحلة هذا الرجل، سأكتب على باب بيتي "جيم اوفر" و اعلن اعتزالي. ماشاء الله تبارك الله، يشغل هذا الرجل منصبا مرموقا في الدولة، مليونير، أب لعشرة أبناء و بنات ناجحين، محافظ على صلاة الجماعة في المسجد، صحته بالنسبة لعمره ممتازه.

الغريب أن الحديث في جلستنا لم يكد يخرج عن الشكوى و التذمر من الفساد الإداري و الفرص الضائعه، حتى خرجت من عنده اردد: اعانه الله، حيزت له كنوز الدنيا و لازال ساخطا، حالة فريده.

بعد هذه الجلسة بعدة أيام وجدت خبرا في الجريدة يذكر بعض إنجازات المملكة العربية السعودية، و قلت لعل الناس سئمت من اخبار الحروب و الويلات، أرسل لهم هذا الخبر المفرح عبر برنامج الواتساب.

ماحصل بعدها تكاد تعجز الكلمات عن وصفه، و لكن يصفه الممثل عادل امام بدقه في احد مشاهد مسرحية "شاهد ماشافش حاجه" عندما كان يحكي عن قصة ضربه في الأوتوبيس " اللي جاي يضرب و اللي رايح يضرب و الستات بتزغرط و الرجاله بتقول الله اكبر و حجه معديه بتقول ماله دا ياخويه عيل تايه دا ولا ماله".

دعوني اقتبس لكم بعض الردود:

"انت مو شايف حال البلد؟؟؟"
"هذي اسمها دروشه مو إيجابيه"
"عاجبتك الشوارع؟!"
"فيه فرق بين الايجابيه و الهباله"

و هنا تذكرت قصة مشابهة جدا لما أسمعه، و القصة لم تكن بذات نهاية سعيدة.

قبل أن احكي القصة، دعوني اسألكم هل تعرفون ماهو أكبر مصدر للمعاناة النفسية و أمراضها؟ هو بكل بساطة التركيز على ماتكرهه و ماينقصك، بدلا من أن تركز على ماتحبه و ماتتملكه.

عودا على القصة، القصة هي عن رجل امتلك مزرعتان، في غاية الجمال و الإنتاجية، لكنه دخل في خطوات كفر النعمة الأربعة و بالتالي خسر المزرعتان. يعرض القرآن الكريم قصة هذا الرجل على شكل حوار و أحداث في سورة الكهف من الآية 32 الى  الآية 43، معظمنا يقرأ هذه القصة أسبوعيا، و من لم يفعل فأرجوه ان يفعل ليكسب الأجر و اكسبه معه.

لنسرد الآن خطوات كفر النعم، و لنستخدمها بكل شفافية و صراحة كمقياس لسلوكياتنا، و عندها سنتنبأ بالنتيجة:

الخطوة الأولى: ان ترى نفسك افضل من الآخرين بسبب نعمة أنعمها الله عز و جل عليك.


(و كان له ثمر فقال لصاحبه و هو يحاوره أنا أكثر منك مالا و أعز نفرا)
هل قرع هذا الوصف جرسا في ذاكرتكم، دعوني اقرب الصورة اكثر:
هندي أبو فسيه.
بنجالي مايسوى.
مصري، فلسطيني، سوري...الخ
رزقنا الله عز و جل في وسط هذه الصحراء القاحلة نعمة النفط، و بالتالي اتجه العديد من الناس للعمل لحسابنا، و للأسف اصبحنا نرى انفسنا افضل منهم.

الخطوة الثانية: استصغار مالديك من نعم.


عندما وصف الله عز و جل المزرعتين وصفهما بـ:
جنتين 
من أعناب
و حففناهما بنخل
و جعلنا بينهما زرعا
ما أجمل المنظر.

و فجرنا خلالهما نهرا
حتى تكاليف تشغيلها بسيطة لتوفر أهم مصدر "الماء".

كلتا الجنتين آتت اكلها
ليست فقط بجميلة المنظر، بل و منتجة أيضا.

و لم تظلم منه شيئا.
ليست فقط منتجة، بل و ذات ربح.

على النقيض، اقرأوا وصف صاحب الجنتين للنعمة التي يمتلكها:

قال ما أظن أن تبيد هذه" "هذه"
جنات و نخيل و اعناب و أنهار و يصفها بـ "هذه".

ألا يذكركم هذا الوصف بالشخص اللذي تقول له الحمد لله لدينا شوارع و مستشفيات و مدارس و يرد عليك:  انت أصلا تسمي هذي شوارع، و بذمتك هذي مستشفيات هذي، و لا المدارس عاجبك حالها؟

الخطوة الثالثة: اعتبار النعمة امر دائم مسلم به.

و هؤلاء هم أصحاب رد "و خير ياطير، كل الناس عندها شوارع و مستشفيات"، و هو نفس رد خاسر الجنتين عندما قال: ماأظن أن تبيد هذه ابدا و ما أظن الساعة قائمة، اعتبر النعمة امرا دائما مسلما به و لن يزول حتى بالقيامة.

الخطوة الرابعة: اعتبار انك محروم و لست بمنعم.

عندما ترى ان حقك هو اكثر من هذا بكثير، و انك محروم من هذا الحق. كالشخص الذي تجده دائما يردد: روح شوف مستشفيات أوروبا و شوارع أمريكا و مدارس اليابان، هذي الناس العايشه مو احنا.و هو ذاته كلام خاسر الجنتين عندما قال: و لئن رددت الى ربي لأجدن خيرا منهما منقلبا، بمعنى انني استحق اكثر من هذه النعمة بالأساس.

العاقل هو من اتعظ بغيره، خاسر الجنتين كانت نهاية سلوكه ذلك  هي ان يضرب كفا بكف و هو يتحسر على نعمته التي ذهبت منه.

طيب و ماذا عن شكر النعمة؟ التواضع لها و احترامها و الامتنان لوجودها؟


من الناحية النفسية

سأذكر احد اهم التجارب في علم النفس للعشرين سنة الماضية، قام د. مارتن بتطبيق تقنية علاج جديدة مع مرضى الاكتئاب الحاد اجارني الله و أياكم منه، طلب من مجموعة من المرضى ان يقوموا كل ليلة بالدخول الى موقع على الانترنت و تسجيل ثلاثة نعم مرت عليهم اليوم، و ان يكتبوا عن امتنانهم لوجود هذه النعم في حياتهم، فقط.
كانت النتيجة تحسنا في صحتهم النفسية يتجاوز ب 55% مقدار التحسن في الصحة النفسية للعينة الضابطة و التي لم تقم بإجراء هذا التمرين. معرفة النعمة و الامتنان لوجودها هي من اقوى الوسائل في زيادة صحتك النفسية.

من الناحية الشرعية سأقول: دعونا نبدأ بصناعة المطر.


نوح عليه السلام لما شرح لقومه قوانين الكون قال لهم "استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا".

هل نتمنى الزيادة؟ هناك قانون كوني آخر للزيادة، الا و هو قوله تعالى: "و اذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم" آية 7 سورة إبراهيم.



أحيانا، طموحنا و حبنا للخير يجعلنا نجتهد، يجعلنا نثبت انظارنا و نوجه افئدتنا نحو ما نتمنى تحقيقه لأنفسنا و لمن نحب...و أحيانا، هذا الاجتهاد و ذلك التركيز ينسياننا مانتمتع به أساسا من نعم، و بالتالي نتعس. فلسفة السعادة هي ان تكون ممتنا لما تملك، و مشتاقا لما تتمنى أن تملك من أهداف و طموحات و أحلام.

ماهي أكثر نعمة انت ممتن لوجودها في حياتك؟ (اعزائي الأزواج فرصة ذهبية لأن تقول "زوجتي" و تتمتع بيومين من الامتنان من ناحيتها)

شاركونا قصصكم و جمال حياتكم في التعليقات بالأسفل او على هاشتاق #كن_صانع_مطر في تويتر.



يمكنكم الاستماع لهذا المقال على 7a66ab Sound Cloud



image credit: KT King
Title Credit: Joel Esteen