الأحد، 16 أكتوبر 2016

سمد حياتك





 لسبب أولآخر، لم استطع أن أزيل الصورة من ذاكرتي ، وقفت السيارة الخاصة بنا في مكان مثل الغرفة لكن من دون باب ، نزلت وكل شي مشوش أمامي ، لم أعلم وقتها هل لأنه عالم ضخم جدا و جديد لطفل عمرة أربعة سنوات أم بسبب الحركة في رحلة ال14 ساعة بسيارتنا موديل 82 .

     كان أول مكان أسكن فيه...... منذ فترة حاولت ان اجد موقعه مستعينا بجوجل ايرث، وجدته و لكن بصعوبة ، منزل من شارع واحد و سط الصحراء، لكنه في ذاكرتي كان عالماً ضخماً ، و لايزال. أجمل ما كان فيه أن كل شئ مزروع ، أعشاب وأشجار في كل مكان ، لكن هذا الأمر كان له تكلفة سأتحدث عنها لاحقاً.

كان هذا الإسبوع حافلاً بالأخبار الحزينة، أحداث حزينة لأناس من خيرة من أعرفهم ، اقول لكم الحقيقة؟ لا أعلم لماذا! يبدو ان ذات العالم المليء بالأفراح والأحداث الجميلة، مليئ ايضا بالمشاكل و المآسي. الفرق هو انه عندما تحدث المشكلة لك اولأحد تحبه، تأخذ المشكلة حجما مختلفا في حياتك، تتمنى حل المشكلة ، تتمني ان يكون لألمه سبب، وتتمني أن يكون بيديك مفتاح سحري لمشكلتة أو تكون لديك قدرة خارقة ترى بها المستقبل لتجد مايصبره أو على الأقل يطمئنه.

فجأه شخص يفقد و ظيفته!

فجأه، كهل من خيرة الناس و أكثرهم أدبا، لايوجد لديه غير ولد واحد في هذه الدنيا، يأتي إليه خبر أن ولده تم قتله، بدون مقدمات او أسباب.

     فجأه، يجد شباب مارة يحتاجون الي التوصيل فيقومون بإيصالهم بسيارتهم، ليكتشفوا بعدها أن هؤلاء المارة قاموا بتخريب سيارتهم،  فعلاً ، خير تعمل شرا تلاقي.

لماذا إذن ؟ لماذا ؟!

هل إذا امتلكت مفاتيح الغيب و عرفت السبب.... سأكون سعيدا ؟

 القصة الأولي ، لم أعرف الحكمة منها، اما القصتيين التاليتين ، فرب العالمين أعطانا مفاتيح الغيب لهم
حتي نتعلم منهم

سبب ما حدث للكهل أبو الولد هو :"وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا"


مات ولدهم ، انه أكثرخبر محزن يمكن أن يسمعه أي اب وأم ، اسوء يوم في حياة اي اب هو اليوم الذي يدفن فيه ابنه، لكن لماذا نرى انا و انت ان هذا اليوم كان بادرة خير للأب؟ لأن رب العالمين أعطانا الجانب الثاني من القصة، جانب سيعيش الكهل حياته و لم يعلم عنه شئ، أن الولد سيكون سبب تعاسته لو كان حي ، وأن القادم هو ولد أفضل و حياة أجمل.

اما سبب ما حدث للشباب الذين قامو بتوصيل الناس بسيارتهم فيخبرنا الله عز و جل على لسان الخضر عليه السلام:أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)، اصحاب السفينة قاموا برؤية الخيانة و الإساءه مقابل كرم أخلاقهم ، و لو سألتهم عن هذا الموقف لقاموا بالشكوى والحديث أن الناس لم تعد بخير و أن و أن....الخ،  رغم أن هذا الموقف غير ترتيب الكون لملصحتهم.

وصديقي الذي فقد عملة ؟

لا أعلم و سأظل لا أعلم، لكني اعلم الآن أن الحياه جميلة، وأن الموقف الذي ضايقني يمكن ان يكون أسعد موقف في حياتي ، و أن اللحظات الصعبة ضرورية أحيانا لفتح ابواب الخير
ما أعرفه الأن أن انتبه، تخيل لو ان اصحاب القصتين او أحدهم حزن و سخط و شتم و قال نحن ندعي الله نهارا وليلاً و لم نري شئ؟!  و خلف الكواليس رزقه علي وشك الوصول اليه. الله عز و جل يقول (انا عند ظن عبدي بي ،فليظن بي ما شاء) ولأن الإختيار لي فسأقوم بإختيار حسن الظن بالله و بالأحداث التي يكتبها الله لي ، و أستحي ان يظهر مني سخط ورزقي علي وشك الوصول إلي.

أحدثكم قليلاعن علم النفس ؟

هل تتذكر اخر مرة قمت بمراجعة أفكارك او غيرت قناعتك و إتخذت قرارت صعبة ؟
هل كان كل شىء وردي و الأمور جيدة ؟ ام كان الموقف صعب و الحادث محزن ؟

النمو يحتاج منك احيانا أن تكسر قواعد و مسلمات و أفكار انت مؤمن بها جدا، يحتاج أحيانا ان تبذل جهداً إضافياً في تعلم أشياء لم تكن تحبها من الأساس، في الاوقات العادية لا يمكن أن نفعل هذا الشي برضانا و برغبتنا،  ولذلك أحداث الحياة المؤلمة هي التي تساعدنا علي مراجعة كل أفكارنا و مسلماتنا و أحيانا تجبرنا علي تعلم ما نحتاج تعلمه من أجل النمو.

صحيح ، لم أقل لكم ما هي ضريبة جمال الطبيعه الأخضر التي كنا نعيش فيه ، من حين الي أخر كنا نشم رائحة سيئة لا تطاق احيانا في المكان كله، و عندما قمنا بالشكوى لإدارة الاسكان اوضحوا لنا أن هذه رائحة السماد و أنه و رغم كرهنا له فهو ضروري جدا لتغذية النباتات و لو ازلنا السماد ستتصحر الحديقة .

طبعا فضلنا السماد من وقت لوقت مقابل ان تكون حديقتنا خضراء زاهية.

السؤال الأن : هل تفضل ان تكون حياتك صحراء ؟ أم تكون خضراء زاهية و تتحمل السماد من و قت لاخر ؟



السبت، 11 يونيو 2016

استنظف

لما كنا ساكنين في جده تبنت والدتي طفل مره كبير، اسمه عثمان.

ماكان فيتنامي زي اللي تبنتهم انجلينا جولي ولا اسود زي اللي تبتنه ساندرا بولوك. 

لكن بعض أفعاله كانت سوداء.

عثمان هذا ولد خالي، كان أيامها يشتغل في بترو رابغ على مسافة ساعة منا، و كانت امي مقتنعة تماما انه مسكين اكيد ماياكل ولا يشرب علشانه عايش وحداني، عليه عنه (كلمة غامدية تقولها والدتي و تعني : اني اهتم لقضيتك)، المهم،  يرد عليها عثمان:
أي و الله ياعمه الواحد و هو ساكن لحاله الحياه مالها طعم، طبعا عثمان يتكلم و هو قاعد يحسس على جيبه علشان يتأكد ان جواز السفر مو باين، و حواليه انا و اخواني كاننا عراري (جمع عري، و هو القط الذي أصابته دهور الزمان بالتوحش) نتفرج على السفره و الأصناف اللي مانشوفها الا لما يجي عثمان.

المهم بعد فترة عثمان حس على دمه و صار يدخل بيده مليانه، مره حلويات مره سندويتشات....الخ.  من اطعم الأشياء اللي كان يجيبها عثمان مبشور (المرادف الحجازي للكفتة المصرية)، مبشور... ريحته لوحدها تعتبر من مفطرات الصيام. و قد ما اسأل الآدمي هذا عن مكان المطعم مايرضى يقول. لغاية مافي يوم اكتشفت المكان و رحت له.

 المحل من الداخل كانه.....عمركم شفتوا الصور اللي تجيك في جريدة عكاظ لما يداهمون مصنع خمور في وديان الطائف ولا حواري جده؟ المكان شبه هذا جدا، البلاط اطرافه سودا من كثر الوساخه، الطاولات بعضها بلاستيك و بعضها حديد لكن كلها مكسره، الكراسي عليها الوان عجيبه، اللي شغالين في المحل كانهم القراصنة اللي مع سيلفر في جزيرة الكنز.


المهم انه بعد المنظر هذا تركت المبشور اللي اشتريته لعري ثاني شفته و انا راجع للبيت، العري شم المبشور و كمل طريقه.

العري ياعثمان (دخلت البيت و انا اصرخ) العري ياعثمان ما اكل المبشور اللي نفخت بطوننا فيه، 

الوالده مفزوعه: اش فيه اش فيه!!

كان يسممنا يا امي، كان يسممنا!!


القصة الثانية:
لما نكون في السوق ولدي عبد الله يكون مثال للولد الكيوت الكول اللي ينحب، شعر كدش، لسان مكسر، و سوالف ماتنتهي. لحد ما يشوف محل كوكيز، كل الادب و الطعامه و الدلع يختفون و يتحول عبد الله لمدمن صغير يكسر الدنيا علشان يوصل للكوكيز. رغم انه يبان تصرف طفولي لكن هالتصرف موجود عند كل البشر، قطعة صغيرة في وسط الدماغ اسمها الاميجدولا (يسمونها أحيانا الدماغ البدائي) تثيرها المشاعر البدائيه مثل الخوف و الغضب و الشهوه و اللذه، بمجرد اثارتها تتولى هذي المنطقة إدارة الدماغ من ناحية الأفكار و الميول فورا تقريبا.
  

القصه الأخيره:
في الاعلام قاعده اسمها بالانجليزي : if it bleeds, it leads و ترجمتها بالعربي "اذا القصه فيها دم و نزيف، القصه راح تنباع". و هذي القاعده هي أساس تقريبا في معظم النشرات الاخبارية و المسلسلات الكويتية و الأشرطة الدينية اللي تنعرض لك.


رغم ان المبشور كان طعمه جدا جميل، رغم اننا ادمنا هذا الاكل، لكن انا عصبت على عثمان علشان الاكل كان وسخ و أتوقع ان أي احد مكاني بتكون ردة فعله نفس ردة فعلي، لكن عقلي و عقلك احق اننا نستنظف فيهم، من الأخبار الكئيبه، من المسلسلات الكويتيه و اشباهها، من الاشرطه الدينيه التي مليانه آهات و انفجارات و تهديدات. هذولي كلهم يستخدمون فيك الخوف علشان تتابعهم اكثر و يتكسبون منك اكثر.

ليش الخوف؟ 
سريع، انت بس نرفز الاميجدولا و هالانسان المتعلم و هالانسانه المثقفه بيصيرون عايشين في عالم انت صنعته لهم. صح عالم كئيب و مليان تهديدات، لكنه عالم يدخل فلوس لمنتج المسلسل و بائع الجريده و صاحب القناه. 

اخواني و اخواتي، فقط اتذكروا حديثين لنبينا عليه الصلاة و السلام:

"اذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم"

 "إن الدنيا حلوة خضرة"

و احذروا من نهاية الكاتب الأمريكي مارك توين، اللي قال في نهاية حياته:
"قضيت حياتي قلقا من مخاوف، معظمها لم يحصل"


استنظف




الصوره من die minimalistin