السبت، 11 يونيو 2016

استنظف

لما كنا ساكنين في جده تبنت والدتي طفل مره كبير، اسمه عثمان.

ماكان فيتنامي زي اللي تبنتهم انجلينا جولي ولا اسود زي اللي تبتنه ساندرا بولوك. 

لكن بعض أفعاله كانت سوداء.

عثمان هذا ولد خالي، كان أيامها يشتغل في بترو رابغ على مسافة ساعة منا، و كانت امي مقتنعة تماما انه مسكين اكيد ماياكل ولا يشرب علشانه عايش وحداني، عليه عنه (كلمة غامدية تقولها والدتي و تعني : اني اهتم لقضيتك)، المهم،  يرد عليها عثمان:
أي و الله ياعمه الواحد و هو ساكن لحاله الحياه مالها طعم، طبعا عثمان يتكلم و هو قاعد يحسس على جيبه علشان يتأكد ان جواز السفر مو باين، و حواليه انا و اخواني كاننا عراري (جمع عري، و هو القط الذي أصابته دهور الزمان بالتوحش) نتفرج على السفره و الأصناف اللي مانشوفها الا لما يجي عثمان.

المهم بعد فترة عثمان حس على دمه و صار يدخل بيده مليانه، مره حلويات مره سندويتشات....الخ.  من اطعم الأشياء اللي كان يجيبها عثمان مبشور (المرادف الحجازي للكفتة المصرية)، مبشور... ريحته لوحدها تعتبر من مفطرات الصيام. و قد ما اسأل الآدمي هذا عن مكان المطعم مايرضى يقول. لغاية مافي يوم اكتشفت المكان و رحت له.

 المحل من الداخل كانه.....عمركم شفتوا الصور اللي تجيك في جريدة عكاظ لما يداهمون مصنع خمور في وديان الطائف ولا حواري جده؟ المكان شبه هذا جدا، البلاط اطرافه سودا من كثر الوساخه، الطاولات بعضها بلاستيك و بعضها حديد لكن كلها مكسره، الكراسي عليها الوان عجيبه، اللي شغالين في المحل كانهم القراصنة اللي مع سيلفر في جزيرة الكنز.


المهم انه بعد المنظر هذا تركت المبشور اللي اشتريته لعري ثاني شفته و انا راجع للبيت، العري شم المبشور و كمل طريقه.

العري ياعثمان (دخلت البيت و انا اصرخ) العري ياعثمان ما اكل المبشور اللي نفخت بطوننا فيه، 

الوالده مفزوعه: اش فيه اش فيه!!

كان يسممنا يا امي، كان يسممنا!!


القصة الثانية:
لما نكون في السوق ولدي عبد الله يكون مثال للولد الكيوت الكول اللي ينحب، شعر كدش، لسان مكسر، و سوالف ماتنتهي. لحد ما يشوف محل كوكيز، كل الادب و الطعامه و الدلع يختفون و يتحول عبد الله لمدمن صغير يكسر الدنيا علشان يوصل للكوكيز. رغم انه يبان تصرف طفولي لكن هالتصرف موجود عند كل البشر، قطعة صغيرة في وسط الدماغ اسمها الاميجدولا (يسمونها أحيانا الدماغ البدائي) تثيرها المشاعر البدائيه مثل الخوف و الغضب و الشهوه و اللذه، بمجرد اثارتها تتولى هذي المنطقة إدارة الدماغ من ناحية الأفكار و الميول فورا تقريبا.
  

القصه الأخيره:
في الاعلام قاعده اسمها بالانجليزي : if it bleeds, it leads و ترجمتها بالعربي "اذا القصه فيها دم و نزيف، القصه راح تنباع". و هذي القاعده هي أساس تقريبا في معظم النشرات الاخبارية و المسلسلات الكويتية و الأشرطة الدينية اللي تنعرض لك.


رغم ان المبشور كان طعمه جدا جميل، رغم اننا ادمنا هذا الاكل، لكن انا عصبت على عثمان علشان الاكل كان وسخ و أتوقع ان أي احد مكاني بتكون ردة فعله نفس ردة فعلي، لكن عقلي و عقلك احق اننا نستنظف فيهم، من الأخبار الكئيبه، من المسلسلات الكويتيه و اشباهها، من الاشرطه الدينيه التي مليانه آهات و انفجارات و تهديدات. هذولي كلهم يستخدمون فيك الخوف علشان تتابعهم اكثر و يتكسبون منك اكثر.

ليش الخوف؟ 
سريع، انت بس نرفز الاميجدولا و هالانسان المتعلم و هالانسانه المثقفه بيصيرون عايشين في عالم انت صنعته لهم. صح عالم كئيب و مليان تهديدات، لكنه عالم يدخل فلوس لمنتج المسلسل و بائع الجريده و صاحب القناه. 

اخواني و اخواتي، فقط اتذكروا حديثين لنبينا عليه الصلاة و السلام:

"اذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم"

 "إن الدنيا حلوة خضرة"

و احذروا من نهاية الكاتب الأمريكي مارك توين، اللي قال في نهاية حياته:
"قضيت حياتي قلقا من مخاوف، معظمها لم يحصل"


استنظف




الصوره من die minimalistin